فخر الدين الرازي

136

تفسير الرازي

العصيان عند النفرة يكون باختياره ، فإن العبد متمكن مع تلك النفرة أن ينقاد ويطيع ، قلنا : إنه لو حصلت النفرة غير معارضة بوجه من وجوه الرغبة بل خالصة عن جميع شوائب الرغبة امتنع أن يحصل معه الفعل ، وذلك لأنه عندما تحصل النفرة والرغبة لم يحصل الفعل البتة ، فعند حصول النفرة انضم إلى عدم المقتضي وجود المانع ، فبأن يصير الفعل ممتنعاً أولى ، فثبت أن هذه الآية من أقوى الدلائل على القضاء والقدر . * ( وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَابِعَهُمْ فِى ءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَاسْتَكْبَرُواْ اسْتِكْبَاراً ) * . ثم قال تعالى : * ( وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم ) * . اعلم أن نوحاً عليه السلام إنما دعاهم إلى العبادة والتقوى والطاعة لأجل أن يغفر لهم ، فإن المقصود الأول هو حصول المغفرة ، وأما الطاعة فهي إنما طلبت ليتوسل بها إلى تحصيل المغفرة ، ولذلك لما أمرهم بالعبادة قال : * ( يغفر لكم من ذنوبكم ) * ( نوح : 4 ) فلما كان المطلوب الأول من الدعوة حصول المغفرة لا جرم قال : * ( وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم ) * واعلم أنه عليه السلام لما دعاهم عاملوه بأشياء : أولها : قوله : * ( جعلوا أصابعهم في آذانهم ) * والمعنى أنهم بلغوا في التقليد إلى حيث جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا الحجة والبينة . وثانيها : قوله : * ( واستغشوا ثيابهم ) * أي تغطوا بها ، إما لأجل أن لا يبصروا وجهه كأنهم لم يجوزوا أن يسمعوا كلامه ، ولا أن يروا وجهه . وإما لأجل المبالغة في أن لا يسمعوا ، فإنهم إذا جعلوا أصابعهم في آذانهم ، ثم استغشوا ثيابهم مع ذلك ، صار المانع من السماع أقوى . وثالثها : قوله : * ( وأصروا ) * والمعنى أنهم أصروا على مذهبهم ، أو على إعراضهم عن سماع دعوة الحق . ورابعها : قوله : * ( واستكبروا استكباراً ) * أي عظيماً بالغاً إلى النهاية القصوى . ثم قال تعالى : * ( ثُمَّ إِنِّى دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّى أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً ) * . واعلم أن هذه الآيات تدل على أن مراتب دعوته كانت ثلاثة ، فبدأ بالمناصحة في السر ، فعاملوه بالأمور الأربعة ، ثم ثنى بالمجاهرة ، فلما لم يؤثر جمع بين الإعلان والإسرار ، وكلمة * ( ثم ) * دالة على تراخي بعض هذه المراتب عن بعض إما بحسب الزمان ، أو بحسب الرتبة ، لأن الجهار أغلظ